الدمى المتحركة

ولدت فكرة المحاكاة لدى الإنسان منذ بدء الخليقة، محاكاته للطبيعة، أو للكائنات الحية حوله، وحين أصّل العلماء والمفكرون تلك الفكرة، وجدت طريقها إلى الحياة العامة، من مرابع اللهو والهزل، إلى مرابع الجد والعمل. بدأت الفكرة بقناع يخفي الحقائق ويتغنى بالمعجزات، ثم تحولت إلى صنم أو تمثال يتكلم بلغة الآلهة، وما لبثت أن تحررت وتركت تلك الدور لتستقر بين أيدي الأطفال تمرح وتلعب معهم في كل آن. فهي العروس والراقصة والمغنية، وهي الجندي بخطواته الإيقاعية، والرياضي بحركاته البهلوانية، وعازف الناي بموسيقاه الانسيابية. دخلت القصور بأزيائها التراثية، وأخذت مكانها في مجالس اللهو بقرب علية القوم، ولبست الثياب الحريرية والحلى الذهبية وأصبحت محط الأنظار ومفخرة السلاطين أمام أعين الزوار. انطلقت سيرتها على كل شفة ولسان، وأصبحت بطلة القصص الشعبية والحكايات المروية.لم تكتف (الفكرة) بهذا الانتصار بل دخلت إلى المعامل والمصانع متباهية بقدراتها الفنية ومتعالية

ومتعالية على مبتدعها الذي يسعى لتسهيل الحياة البشرية. احتلت مركزا مرموقا في أكبر وأعظم الشركات ، حتى شردت ألوف العمال في شتى الصناعات وفرضت نفسها على الحياة الصناعية متحدية العقول البشرية التي تسعى إلى تجسيدها بأثمن المعادن، وترويجها إلى أعظم الأماكن. ولا تزال حتى يومنا هذا الشغل الشاغل للفنيين والعلماء والتقنيين.قصة طريفة نرويها بأبعادها التاريخية وتطوراتها الفنية والتقنية في رحلة طويلة بدأ من العهود القديمة وحتى العصور الحديثة.

            

            أ                                         ب                                         د                                                                                                                     

ترجع الدمى المتحركة إلى عهود غابرة حيث ظهرت على شكل أقنعة أو أصنام تتحرك أجزاء منها بواسطة يدي

الإنسان. اقترنت هذه الدمى بالطقوس الدينية، إذ نقرأ في كتاب (الموتى)1 ما مفاده أنه عند المصريين القدامى،

وفي الحفلات الجنائزية، كان الكاهن يرتدي قناع المعبود أنوبيس (إله الموت)- وهو على شكل ابن آوى (الرسم أ)

- فيقترب من تابوت الميت وبيده آلة لها شكل غريب يحركها وهو يتلو بعض التعاويز، لكي تطلق لسان الميت في

الآخرة.

ونشأت أيضا في بعض مواطن الحضارات القديمة تقاليد دينية، اتخذت من الدمى المتحركة أصناما وأوثانا تقدم لها

الفديات البشرية أو الحيوانات. وقد أشار دونالد هاردن،2 إلى تقاليد كانت تقام حتى القرن  الثاني قبل الميلاد، في

مواطن الحضارات الفينيقية  على امتداد شمالي إفريقيا، حيث كانت الآلهة القديمة تصنع من البرونز على هيئة

تمثال مادا ذراعيه، توضع عليهما الأطفال الصغار فتثني الذراعان وتقذفان بالأطفال وسط النار المشتعلة تحت

التمثال.

وكتب ولكنسون3 في كتابه عن العادات والتقاليد عند قدماء المصريين يصف مجموعة من لعب الأطفال كانت تثبت

بواسطة خيوط تُيسر حركة الأطراف وكانت تصنع من الخشب (الرسم ب)

والجدير باذكر ان الحضارة الصينية اهتمت بالدمى المتحركة ولكن بطريقة مختلفة تماماً. يذكر كلابروت4  (Klaport )    بأن

الصينيون  الذين اكتشفوا، منذ زمن بعيد، قطبي المغناطيس،اعتمدوا على تلك الوسيلة في عرباتهم المغناطيسية

المسماة ( Tchi nan kin ) التي كانت تشيرإلى اتجاه الجنوب5، هذا وتشير المذكرات التاريخية التي كتبها

( Szu ma thisian) بأنه في العام 1110 قبل الميلاد أهدى  الامبراطور الصيني نماذج من تلك العربات إلى

السفراء ( Yue chang chi)  وذلك لمساعدتهم على اكتشاف طريقهم (الرسم د).

 

 

 

1 – Kolpaktchy,G., Livre des morts des anciens Egyptiens-Paris Champs Elysées 1959

2- Harden Donald, The phenicians (London T&H) 1962

3- Wilkinson,G., The manners &customsof ancients Egyptian

4- J. Klaprot,Lettre à M .Le Baron de Humboltsur l'invention de la boussole , Paris , 1834

5- Dans les anciennes cartes géographiques chinoises Le Sud est en haut et lenord est en bas