- الدمى المتحركة عند العرب

 لم يهتم العرب قبل الاسلام بالدمى المتحركة وقد اقتصرت اهتماماتهم على تعظيم الأصنام وعبادتها. نجد في كتاب

"الأصنام" لابن الكلبي1 وصفا للوثن (هبل) حيث قال:"وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة إنسان

،كسرت يده اليمنى، أدركته قريش كذلك فجعلوا له يد من ذهب..." . كذلك وصف ابن كلبي الوثن (ودا) بقوله:"

تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال ... عليه سيف قد تقلده ..."

 بعد الاسلام تغيرت المفاهيم والطبائع وتحولت الوثنية إلى عبادة الخالق وأصبح شغل العرب الشاغل الذين اعتنقوا

الدين الاسلامي تنفيذ تعاليم الدين الحنيف ورفع رايته  فبعد أن استقرت تلك الراية في بقاع الأرض اتجه اهتمام

الخلفاء والأمراء والحكام الذين توارثوا الحكم في البلاد العربية والإسلامية الى رفع راية العلم.

 من القرن الثاني الى القرن العاشر للهجرة (الثامن الى السادس عشر ميلادى )  ظهرت نهضة علمية مميزة في

جميع ميادين العلم والمعرفة. ولم يتخصص العالم  في حقل  واحد بل ولج حقول عدة فكان قاض وفلكي ومهندس

ميكانيكي(تقي الدين )، طبيبا ومهندسا وشاعرا(رضوان الساعاتي)، فلكيا وميكانيكيا ورياضيا(بنو موسى)...

 اضافة الى ذلك لقد تحلى العالم العربي  بالأمانة العلمية ، فلم ينسب لنفسه ما ابتدعه أسلافه بل كان يصرح بما

إكتشفه هو ويناقش ويحلل أراء من سبقوه . لم يقتنع العالم في تلك الحقبة من الزمن بالنظريات العلمية بل أخذ

يطبقها في حياته العملية ومختبراته العلمية. احترم الحرفيين والعمال ونقل الفكر العربي من المنطق التجريدي الى 

منطق التجربة والبرهان فلا عجب اذا ان يهتم العرب  بصناعة الدمى المتحركة التى اعتمدت في تركيبها وعملها

على المفاهيم النظرية للهندسة الميكانيكية.

  قبل الشروع بعرض الدمى المتحركة وتطورها التقني عند العرب خلال الحقبة الزمنية بين القرن التاسع والسادس

عشر ميلادي، لا بد من  استعراض قصصنا الشعبية للوقوف على الخيال الواسع الذي ابعد الوصف عن الحقيقة

وأظهر الدمية وكأنها من نسج ساحر لا حدود لمقدرته الفنية ولا لشعوذاته الوهمية.كذلك لا بد من  الإطلاع على ما

ورد في كتب الأدب العربي القديم من أوصاف لتلك الدمى تعتمد  في أغلب الأحيان على الحقيقة وليس على الخيال.

- الدمى المتحركة في قصصنا الشعبية

 تطالعنا النصوص الواردة في قصصنا الشعبية بأوصاف دقيقة لمجموعة من التماثيل المتحركة التي كانت تزين

قصور الرومان قبل الفتح الاسلامي وقصور الأمراء العرب بعد ظهور الإسلام.  ورد في نص قديم للسيرة الهلالية

أوصاف لمثل هذه التماثيل، وكذلك الأمر بالنسبة إلى سيرة سيف بن ذي يزن، والصورة نفسها تتكرر في سيرة

الظاهر بيبرس كما نجد أيضا وصفا لتلك الدمى المتحركة في بعض الكتب العربية التي جمعت بين السير الشعبية

والقصص التاريخية. وللتوضيح  لا بد من عرض بعضا من هذه النصوص .

 من قصصنا الشعبية المشهورة قصة ألف ليلة وليلة التي تحتوي على سرد بديع ومشوق للقصص المليئة بالخيال

والممزوجة بالخرافات حتى لا تكاد تخلو اية قصة من دمية متحركة سحرية كبساط الريح والجواد المسحور والمردة

المختبئة بالقماقم وما الى ذلك مما يجعل القارئ  يشعر بأن القصّإص انتقل من عالم الواقع الى عالم السحر وتسخير

الجان. لذلك أهمل غالبية الباحثين في هذا المجال القيم العلمية التي تكمن في وصف تلك الدمى.

 لقد ورد في كتاب ألف ليلة وليلة في ذكر جبل المغناطيس ما يلي: "قبة من النحاس الأصفر، معقوقة على عشرة

أعمدة ،وفوق القبة فارس على فرس من نحاس،وفي يد ذلك الفارس رمح من نحاس، ومعلق في صدر الفارس لوح

من رصاص منقوش عليه أسماء وطلاسم فيها: أيها الملك .. ما دام هذا الفارس راكبا على هذه الفرس...تنكسر

المراكب التي تفوت من تحت ، ويهلك ركابها جميعا..."

وجاء في كتاب3  "فتوح البهنساء الغراء"  "ان أول من ملك مدينة البهنساء شهلون الملك، وكان كاهنا يدري علم

الهندسة، وهو الذي بنى بيتا من الرخام على ضفة النيل،وجعل فيه بركة صغيرة من نحاس. وأقام في وسط المدينة

تمثال امرأة جالسة، وفي حجرها صبي كأنها ترضعه، وكل امرأة أصابتها علة من العلل في جسدها مسحت الوضع

نفسه من ذلك التمثال فيزول عنها جميع ما تجده من العلل والألم.

وعمل عند أعالي الرمل طلمسا على صفة فارس من نحاس مطلسم يدور دورانا عظيما الى جهة الريح ، فمن مكان

مهب الريح يحبس الرمل عن الاقليم بامر الله عز وجل. وصنع أيضا صنما من حجر أسود ونصبه على باب

المدينة، فان دخل أحد من أهل الخير ضحك ذلك الصنم وان دخل أحد من أهل الشر بكى ذلك الصنم.

  وصنع في زمانه بأرض البهنساء سقا على ظهره قربة ماء ووضعه في بيت من المدينة . فكان أهل المدينة

يصبحون فيجدون جميع البيوت مملؤة ماء للشرب والغسل وغير ذلك ، ولم يزل كذلك بالمدينة حتى جاد الله

بالاسلام فولى عليها من خلافة بني أمية عبد العزيز بن مروان .فأمر بفتح البيت الذي فيه السقا فلم يجد فيه الا السقا

وعلى كتفه قربة ماء فارغة فلما رأوه باتوا وأصبحوا فبطلت تلك العادة عن أهل البهنساء.

وعمل في زمانه عجائب كثيرة، منها بطة من نحاس قائمة على اسطوانة . فاذا دخل الغريب الاقليم أو ناحية من

نواحيه صفقت تلك البطة بجناحيها.

وجاء في سيرة الظاهر بيبرس4 ما قوله: "هذه قاعة الوزير أحمد بن أباديس السبكي في أوان الزهور والربيع، وكان

هو  يسميها بالجنة الصغرى ، وكان كل ما فيها من هذه التماثيل صنعة المعلمين أهل الفراسة ، ولا هي بعلوم أقلام،

ولا عمل من أعمال الكهان، وكان اذا جلس فيها يأمر الخولي أن يدير السواقي ، فاذا اندفع الماء وجرى ووصل الى

 الأشخاص فتدور من ثقل الماء، فاذا تحركت اللوالب والعقارب الى ذات اليمين تجري المياه وتتمايل الأشجار

وتهب الرياح الى الأنهار فيطيب له المقام في تلك الدار".

  وإذا انتقلنا إلى سيرة عنترة 5 نعثر على نصوص كالنص التالي: " ولما فتح الباب رأينا فارسا طويلا كان من أولاد

قابيل، وبيده سيف ثقيل لو ضرب به جبل لهده  أو حائط لقده، وهو مائل بكليته الينا ومقبل بصدره علينا، فخيل الينا

أنه انسان حامل علينا بغير ارتياب ، عند دخولنا من هذا الباب، وهو طويل عريض شجاع وقرن مناع، فلله در

الصناع الذين اتقنوا تلك الأنواع، وهذا الفارس راكب على  جواد  من أرق الخيل الجياد ..."

 هذه صورة من قصصنا الشعبية التي لا تخلو من الخيال رغم ان الوصف الذي ورد في قصة الظاهر بيبرس ليس

 بعيدا عن الحقائق العلمية .فسوف نجد لاحقا مدى اعتماد العرب على قوة دفع الماء وثقله  لتحريك الدمى.

 

بن كلبي أبو منذر هشام بن محمد – كتاب الأصنام – القاهرة المكتبة العربية  - 1965

 2- كتاب ألف ليلة وليلة – القاهرة مطبعة عبد الرحمن رشدي 1279 هجري

3- محمد بن محمد المعز- فتوح البهنساء الغراء – القاهرة 1305 هجري

 4 –  سيرة الظاهر بيبرس – القاهرة – طبعة عبد الحميد الحفني

5- سيرة عنترة – مخطوط بدون تاريخ – الراوي أبو المكارم

 

الدمى المتحركة في الأدب العربي القديم 

الدمى المتحركة - بنو موسى 

 الدمى المتحركة - الجزري

الدمى المتحركة - الجزري - يتبع