المعارك العربية الإسلامية

منذ ظهور الدين الإسلامي اشتدت المعارك  العربية القبائلية  بين من أمن بمحمد واعتنق الدين الجديد الذي يدعو

إليه وبين من عارضه في ذلك. وما لبثت تلك المعارك أن توسعت إلى خارج شبه الجزيرة العربية وذلك بهدف نشر

الدعوة الإسلامية. لقد اتسمت معظمها بالضراوة وحدة القتال برا وبحرا بين انتصار وانكسار للقوى العربية

الإسلامية. لكن عزم المقاتلين على نشر تلك الدعوة والتوسع بها إلى أقصى أرجاء المعمورة جعل ظروف

الانتصارات تتوفر وتتوالى حيث استطاعة الدولة العربية الإسلامية في عصر الخلافة الأموية  أن تمتد من غربي

 الصين إلى جنوب فرنسا.

لا نود تفصيل المعارك بأكملها ولكننا سوف نستعرض المهم منها بالتسلسل الزمني ونتوقف عند العدة والعتاد

للجيوش العربية الإسلامية.

بعد وفاة الرسول ومبايعة أبو البكر للخلافة مُنيَ الإسلام بفتنة عظمى وهي الردة عن الإسلام. لكن أبو بكر بحنكته 

استطاع السيطرة عليها وأرجع العرب إلى الدين الإسلامي ووطد قواعد الإسلام في الجزيرة العربية. في ظل هذا

الاستقرار تطلع أبو بكر إلى متابعة الجهاد لنشر تعاليم الدين الإسلامي فوجد أن مملكتي الفرس والروم، هما أعظم

الممالك المجاورة للعرب. كانت دولة الفرس المجوسية تسيطر على العراق وإيران بينما دولة الروم الصليبية تتواجد

في ارض الشام.

المعارك التي خاضها الجيش العربي الإسلامي مع الفرس

أيام الخليفة ابو بكر الصديق(مدة حكمه 11-13 هجري632-634م)

قرر أبو بكر البدء بدولة الفرس فأعد خطته على الشكل التالي:

في شهر محرم من سنة الثانية عشرة للهجرة كتب إلى القائد خالد بن الوليد أن يهئ نفسه وجنده للمسير من اليمامة

إلى بلاد العراق ويدخلها من الجنوب، وكتب إلى القائد عياض ابن غنم أن يدخلها من الشمال كما صرح أبو بكر بأن

من يسبق إلى الحيرة يكون أميرا على صاحبه. إضافة إلى ذلك طلب أبو بكر لكل من حرملة والمثني بن حارثة أن

ينضموا بجيوشهم تحت إمرة خالد بن الوليد فبعث إليهم خالد بان اللقاء سيكون في الأبُلة (البصرة حاليا). اجتمعت

الجيوش في المكان المحدد لها وانضمت جميعها تحت لواء خالد فأصبح عددها حوالي ثمانية عشرة ألف مقاتل.

جرت بين جيوش المسلمين والفرس عدة معارك أهمها معركة السلاسل والتي يعود اسمها إلى أن قائد جيش الفرس

"هرمز" أصرًّ على ربط جنوده بالسلاسل كي لا يفروا من المعركة وهكذا كان فثقلت حركتهم وهزموا. في هذه

المعركة قتل خالد القائد "هرمز" فتشتت شمل الجيش الفارسي وانتهت المعركة بانهزام هذا الجيش.

بعد معركة السلاسل استطاع خالد بن الوليد وجيشه أن يستولي على المذار(الثني) في معركة مع الجيش الفارسي.

وقد روى الطبري: إن من قتل في وقعة المذار: كانوا ثلاثين ألفا سوى من غرق، ولولا المياه لأتى خالد على

آخرهم.

بعد ان أتم خالد ترتيب اموره عقب فتح المذار استطاع فتح الولجة بعد معركة شرسة دارت بين جيوش المسلمين

والجيش الفارسى.كما استطاع فتح ألّيس وأمشيغا ومن بعدها توجه إلى الحيرة مع جيشه في البر كما ارسل سفنه

المحملة بالجنود والعتاد في نهر الفرات لكن المرازبة هدموا السدود كما ‘مرهم زعيمهم (ازادبه) وابنه أن يقطعوا

مياه نهر الفرات فتوقفت بذلك سفن المسلمين، واضطروا أن يخرجوا منها إلى البر. جمع خالد جيشه وسار نحو

جيش ابن (ازادبه) فتلقاه على فم الفرات عند بادقلي ، ثم سار حتى نزل بين الخورنق والنجف، ففر (ازادبه) وتفرق

جيشه فلحق به خالد حتى حاصر الحيرة والقصر الأبيض وقصر العدسين وقصر بني مازن وقصر ابن بقيلة . أهتم

هو بالحيرة وعين قائدا على كل قصر. بعد فترة من الحصار خضع المحاصرون واتفقوا مع خالد على دفع الجزية.

لم يكتف خالد ابن الوليد بتلك الانتصارات بل تابع زحفه حتى فتح السواد والأنبار ثم قصد عين التمر وفيها يومئذ

(مهران بن بهرام جوبين tي جمع من الفرس، وجمع من العرب من بني تغلب والنمر وأياد عليهم عقة بن ابي عقة

. فلما سمعوا بقدوم خالد إليهم، قال عقة لمهران إن العرب أعلم بقتال العرب ، فدعنا وخالدا. سار عقة للقاء خالد

وبقي مهران في حصن عين التمر ولما التقى الجمعان برز خالد لعقة فأخذه أسيرا وانهزمت صفوفه. فلما بلغت هذه

الأخبار مهران ترك حصنه وفر مع جنده فدخل  خالد الحصن واستولى على عين التمر.

تتالت المعارك في دومة الجندل والحصيد وخنافس والمصيخ حيث كانت تتواجد قبائل بهراء وغسان وتنوخ

والضجاغم وكان النصر دائما لجيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد.

بعد ان تم لخالد نصره في المصيخ، سار نحو ربيعة بن بجير التغلبي وقومه من بني تغلب النازلين في بلاد الثني

والبشر فتغلب عليهم ثم قصد الفراض، وهي تخوم الشام والعراق، وكان الوقت صيفا والحر شديدا والشهر رمضان

، فافطر خالد وافطر المسلمون في تلك الفترة التي توالت فيها الغزوات وتوالت الفتوحات حيث كانت معركة

الفراض  حاسمة بالنسبة لجيش خالد.

لما أتم خالد فوزه، أذن للجيش بالرجوع إلى الحيرة ، وقصد هو ونفر من الصحابة مكة وأتم مناسك الحج ورجع

مسرعا إلى الحيرة ، فتلقى كتابا من أبي بكر يأمره بالتوجه إلى الشام.

يحدثنا الطبري أن خالدا حين انتدب إلى الشام استخلف المثني بن حارثة على من اسلم في العراق وغيرهم، ولما

سار خالد إلى الشام، خرج المثني من الحيرة حتى أتى بابل فهاجمه الفرس لكنه تغلب عليهم. في تلك الفترة  مرض

أبو بكر وتوفي بعد أن صار غربي الفرات كله تحت السيطرة  الإسلامية.

أيام الخليفة عمر بن الخطاب (فترة حكمه 13-23 هجري634-644م)

وفقا لوصية الصديق عُيّن عمر ابن الخطاب خليفة على المسلمين فما كان منه أن تابع خطى الصديق في نشر

الدعوة الإسلامية. في ذلك الوقت كان   المثني بن حارثة الذي خلف خالد بن الوليد في الجزيرة العراقية قد اتخذ

الحيرة مقره واخذ يهئ الجيوش للمعركة الكبرى بعد أن عَلِم بان الفرس قد استعدوا لها، وطلب من الخليفة عمر أن

يسانده فما كان من عمر إلى أن انتدب أبا عبيدة بن مسعود على راس جيش قوي. سار أبو عبيد حتى التقى بالمثني

فسارا جميعا حتى التقوا بالجيش الفارسي بقيادة (جابان) عند الخارق ودارت معركة طاحنة انتهت بفوز جيش

المسلمين. ثم تابع سيره حتى التقى بالجيش الفارسي عند السقاطين فقاتله وسار نحو كسكر فالتقى بالقائد (نرس)

وقاتله اشد قتال حتى اضطره للهرب. لما عظمت نكبات الفرس، طلبوا العون من (بوران) التي كانت على العرش،

فأرسلت إليهم جالينوس على رأس جيش كبير لكن أبو عبيد هزمه.

إن تتابع الهزائم على الفرس جعلتهم أكثر عنادا لمحاربة المسلمين فعزم (رستم ) على أن يضرب المسلمين ضربة

قاسية، فجهز جيشا هائلا عقد لوائه لبطل من أبطالهم هو (بهمن جاذويه) ومعه جالينوس وسائر أبطال الفرس وعدد

كبير من الفيلة وفي المقدمة راية كسرى العظمى المعروفة (بدرفش كابيان) وسار الفرس حتى بلغوا شاطئ الفرات

عند (قس الناطق).

كان أبو عبيد معسكرا على شاطئ الفرات عند المروحة قرب (البرج) و(العاقول). قبعث بهمن يخبر أبا عبيد ان

يعبر احدهما إلى صاحبه،فقال أبو عبيد: نحن نعبر إليكم ، ولم يوافق قواد المسلمين على العبور، وأشاروا على أبي

عبيد أن يدعوهم إلى العبور ، فقال لهم لا يكونوا أجرأ منا  على الموت، بل نعبر إليهم فعبروا إليم ، واشتد القتال

بين الجيشين، وأصيب من الطرفين عدد كبير وتمكن احد الفيلة من أبي عبيد فقتله كما جرح المثني في المعركة.

تزعزت ثقة افراد الجيوش الإسلامية وانهزموا في تلك المعركة وقتل منهم الكثير ومات بعضهم غرقا.

وصلت أنباء الهزيمة إلى الخليفة عمر فحزن حزنا شديدا وأخذ يفكر بطريقة لمحو عار الهزيمة النكراء التي مني

بها الجيش الإسلامي.

أخذ عمر يحث الناس على السفر إلى العراق للانضمام إلى المثني بن حارثة كما كتب إلى أهل الردة من بني عبد

القيس وغيرها ممن لم يكن يسمح لهم بالجهاد أن يخرجوا إلى العراق، فسارت جموع كثيرة منهم، حتى أتت المثني

فسار بهم حتى أتى "البويب" في المكان التي بنيت فيه الكوفة بعدئذ، والتقى الجمعان في رمضان سنة 13 للهجرة،

واظهر المثني دربة فائقة، فتغلب المسلمون على الفرس وقتل "مهران" قائدهم وجمع كبير جدا من الفرس.في هذا

النصر تمكن المسلمون من السيطرة على السواد كله وصار لهم ما بين دجلة والفرات حيث قال الطبري:"لما أهلك

الله مهران تمكن المسلمون من الغارة على السواد فيما بينهم وبين دجلة، فمخروها لا يخافون كيدا، ولا يلقون فيها

مانعا". أطمأن المسلمون لهذا النصر وأخذوا يستعدون لغزو بلاد العراق العجمي وفارس.

لما بلغت أخبار هذا النصر آذان الخليفة عمر استبشر خيرا وطلب من سعد بن أبي وقاص أن يجهز جيشه ويذهب

إلى العراق لمساندة المثني. اعد سعد جيشا من أربعة آلاف جندي وتوجه إلى العراق، فلما وصلها وجد بان المثني

قد مات متأثرا بجراحه . عندما علم عمر بالأمر طلب من سعد أن يتوجه إلى القادسية وأرسل له نجدات متتالية حتى

بلغ عدد جيش المسلمين بضعة وثلاثين ألفا معظمهم من ربيعة.

أقام سعد في القادسية شهرا ولم يأته أي نبأ من الفرس ، فبعث سراياه بين (كسكر) و(الأنبار) فأغارت على من ليس

لهم ذمة أو عهد ومن غدر بالمسلمين من أهلها، فأرسل أهل (الواد) إلى (يزدجرد) ملك الفرس يخبرونه بما عند

المسلمين من القوة والعدد، واستنجدوه، فأرسل إليهم القائد رستم وأمره ان يستعد ويسير فورا للقاء المسلمين. سار

رستم بجيشه من ارض(الحيرة) حتى نزل(القادسية) عند العتيق) وهو جسر القادسية، وليس بينهم وبين المسلمين إلا

النهر، وكان مع الفرس ثلاثة وثلاثون فيلا منها فيل سابور الأبيض.

دارت معارك عنيفة بين الجيشين دامت اربعة أيام وثلا ث ليالي لجأ فيها المسلمون إلى فقأ أعين الفيلة لردهم عنهم.

في هذه المعركة التي سميت بمعركة القادسية كان أول من زال عن موضعه من قواد الفرس(الهرمزان)

و(الفيرزان) ثم حمل احد قواد المسلمين هلال بن علقمة بنفسه على القلب حيث قائد الفرس رستم، فاستطاع الوصول

إليه وقتله. وهكذا تم النصر للمسلمين واخذ ضرار بن الخطاب الراية الفارسية العظمى (درفش كابيان) وأعلن

النصر.

وكانت هذه المعركة هي المعركة الفاصلة للفتح الإسلامي في بلاد فارس أقام بعدها سعد شهرين في القادسية حتى

أتاه الأمر من الخليفة عمر بالسير إلى المدائن وفتحها بعد ان عبر وجيشه نهر دجلة . لما وصلوا إلى المدائن ورأوا

إيوان كسرى تذكروا وعد الرسول الله لهم بفتح إيوان كسرى، قوية قلوبهم وحاصر سعد المدينة في ذي الحجة من

سنة 14 للهجرة واستولى عليها. بعد أن انهزم (بزدجرد) التجأ مع فلول جيشه الى الجبال وتقدم فسما منهم إلى

جلولاء وهي حصن أحاطوه بخندق وأحاطوا الخندق بمسامير حديدية. عندما علم سعد بالأمر فأرسل جيشا بقيادة

هاشم بن عتبة وحاصر الحصن وهنا جرت معارك عدة وسالت دماء من الجانبين ولكن النصر كان للمسلمين وذلك

في عام 16 للهجرة . ثم تابع سعد فتوحاته فاحتل (حلوان) وفتح (نينوى) و(الموصل) .

بعد تلك الفتوحات توجهت انظار عمر إلى ايران ففتحها واهم المعارك كانت موقعة نهاوند حيث نشب القتال بين

الفرس والمسلمين اعتمد فيها القعقاع قائد الجيش الإسلامي على الحيل الحربية واستطاع التغلب عليهم . عند انهزام

الفرس نجا القائد (فيرزان) بنفسه واحتمى في مدينة همذان فما كان من بعض الجنود المسلمين ان لحقوا به وقتلوه

واحتلوا همذان. ثم تابعوا زحفهم وامتد سلطان الإسلام في بلاد فارس جميعها حتى بلغ نهر السند.



المراجع: 

-  الخلفاء الراشدون - تأليف محمد أسعد طلس - دار الاندلس للطباعة والنشر - بيروت الطبعة الثانية 1969

- الطبري أبو جعفر محمد بن جرير - تاريخ الأمم والملوك -  دار الكتب العلمية - 6 أجزاء.

- الطبري أبو جعفر محب الدين أحمد بن عبد الله - الرياض النضرة في مناقب العشرة- تحميل الكتروني على شبكة

الانترنيت

- البلازري احمد بن يحي أبو الحسن- فتوح البلدان- دار مكتبة الهلال - بيروت -1983


المعارك الإسلامية مع الروم