ماهية الصوت كما عرّفها العلماء العرب

 لن نتطرق إلى التعريفات العلمية الحديثة لمفهوم الصوت وماهيته بل سوف يقتصر بحثنا  على عرض  آراء علماء

العرب والإسلام في هذا المضمار.

 في مطلع القرن الرابع الهجري عاش عالم اللغة والنحوي الكبير أبو الفتح عثمان بن جني المعروف بابن جني

(322-392 للهجرة). لقد ترك ابن جني مؤلفات عدة في اللغة والنحو ومن أهمها  كتابه

 « سر صناعة الإعراب» الذي سلك فيه مسلكا خاصا في علم الصوتيات.

 لقد احتوى الكتاب على دراسة مفصلة لأنواع الحروف وكيفية نطقها في اعتمادها على آلة النطق التي حددها

في «الصدر والحلق والفم والأنف والشفتان»، حيث يعطي أهمية كل عضو في لفظ الحرف واستخراجه. ومن هنا

يتعرض للتفريق بين لفظ الحرف والصوت حيث  يقول:"اعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلا متصلا

حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته، فيسمى المطلع أيضا عرض له حرفا

وتختلف أجراس  الحروف بحسب اختلاف مقاطعها[...]الم ترى انك تبتدئ الصوت من أقصى حلقك ثم تبلغ به أي

المقاطع شئت فتجد له جرسا".

 ثم يتابع في مقطع آخر فيقول:"أما الحرف الذي يلفظه الإنسان الناطق أيا كان لسانه، فهو أمر انفرد به البشر دون

سائر المخلوقات" كعالم لغة لم يتعرض ابن جني إلى ماهية الصوت وخصائصه.

أما إخوان الصفا(القرن العاشرالميلادي) فقد عرفوا مصدر الصوت وكيفية حدوثه كما تطرقوا إلى أنواع الأصوات

ففرقوا بين الأصوات المفهومة  والغير مفهومة، والأصوات الطبيعية والآلية، كما شرحوا خصائص الصوت ومنها

الحاد والغليظ، الجهيروالخفيف،العظيم والصغير ...الخ

 في تعريفهم العلمي للصوت يقول إخوان الصفا في إحدى رسائلهم:" إن كل جسمين تصادما برفق ولين لا تسمع

لهما صوتا، لان الهواء ينسل من بينهما قليلا قليلا، فلا يحدث صوت وإنما يحدث من تصادم الأجسام، متى كانت

صدمتها  بشدة وسرعة، لان الهواء عند ذلك يندفع مفاجأة، ويتموج بحركته إلى الجهات الست بسرعة، فيحدث

الصوت ويسمع".

 وفي مقطع آخر نقرأ:" والأجسام الكبار العظام يكون اصطدامها أعظم من أصوات ما دونها، لأن تموج الهواء

أكثر.وكل جسمين من جوهر واحد، مقدارهما واحد وشكلهما واحد، إذا تصادما معا، فإن صوتيهما يكونان

متساويين، فإن كان أملس فإن صوتيهما يكونان أملس من السطوح المشتركة، والهواء المشترك بينهما أملس.

والأجسام الصلبة المجوفة كالأواني وغيرها والطرجهارات إذا نقرت طنت زمانا طويلا، لأن الهواء يتردد في

جوفها ويصدم في حافاتها، ويصدم في أقطارها، وما كان منها أوسع كان صوته أعظم، لان الهواء يتموج فيها

ويصدم في مرورهمسافة بعيدة. والحيوانات الكبيرة الرئة، الطول الحلاقيم، الواسعة المناخر والأشداق تكون جهيرة

الأصوات، لأنها تستنشق هواء كثيرا، وترسله بشدة. فقد تبين بما ذكرنا أن علة عظم الصوت إنما هو بحسب عظم

الجسم المصوت وشدة صدمة الهواء، وكثرة تموجه في الجهات، وإن أعظم الأصوات صوت الرعد."

 في موضع آخر يتحدث إخوان الصفا عن أنواع  الأصوات :"... العظيم والصغير والسريع والبطء والحاد والغليظ

والجهير والخفيف."

 كما يذكر إخوان الصفا بأن يمكن الفصل بين نوعين من الأصوات المنفصلة والمتصلة حيث نقرأ في هذا

المجال:"...فالمنفصلة هي التي بين أزمان حركة نقراتها زمان سكون محسوس، مثل نقرات الأوتار  وإيقاعات

القضبان. وأما المتصلة فهي مثل أصوات  النايات والنواعير وما شاكلها. والأصوات المتصلة تنقسم إلى

قسمين : حادة وغليظة، فما كان من النايات والمزامير أوسع تجويفا وثقبا، كان صوته أغلظ،  وما كان أضيق تجويفا

وثقبا، كان صوته أحد، ومن جهة أخرى أيضا ما كان من الثقب إلى موضع النفخ أقرب كانت نغمته أحد، وما كان

أبعد، كان أغلظ."

 وفي مقطع أخر من رسائلهم يشير إخوان الصفا إلى كيفية تمييز الأصوات وانتقالها في الهواء :"... وكل هذه

الأصوات مفهومها وغير مفهومها، حيوانها وغير حيوانها، إنما هي قرع يحدث في الهواء من تصادم الأجرام

 وعصر حلقوم الحيوان. وذلك أن الهواء’ لشدة لطافته وصفاء جوهره وسرعة حركة أجزائه، يتخلل الأجسام كلها

ويسري فيها ويصل إليها ويحرك بعضها إلى بعض.  فإذا صدم جسم جسما أنسل ذلك الهواء من بينهما، وتدافع

وتموج إلى جميع الجهات، وحدث في حركته شكل كروي يتسع كما تتسع القارورة من نفخ الزجاج. وكلما اتسع

الشكل  ضعفت قوة ذلك الصوت إلى أن يسكن. ومثل ذلك إذا رميت في الماء الهادي الواقف في  مكان واسع

حجرا، فيحدث في ذلك الماء دائرة من موضع وقع الحجر، فلا تزال تتسع فوق سطح الماء وتتموج إلى سائر

الجهات . وكلما اتسعت ضعفت حركتها حتى تتلاشى وتذهب , فمن كان حاضرا في ذلك الموقع  أو بالقرب منه من

الحيوان سمع ذلك الصوت، فبلغ ذلك التموج الذي يجري في الهواء إلى مسامعه ودخل دماغه،  وتحرك الهواء

المستقر في عمق الأذنين بحسب القوة السامعة بذلك التموج والحركة التي تنتهي إلى مؤخر  الدماغ. تم يقف فلا

يكون له مخرج ، فيؤديه إلى الدماغ.[...] أما حاسة السمع فأنها لا تكذب وقلما  تخطئ، وذلك لأنه ليس بينها وبين

محسوساتها إلا واسطة واحدة وهي الهواء. وإنما يكون خطؤها بحسب غلظ الهواء ورقته، وذلك إنه ربما كانت

الريح عاصفة والهواء متحركا حركة شديدة، فيصوت المصوت في مكان قريب من المسامع، فلا يسمع من شدة

حركة الهواء وهيجانه، فتكون حركة ذلك الصوت يسيرة في شدة حركة الهواء وهيجانه، فيضعف عن الوصول إلى

الحاسة السامعة. وإذا كان الهواء في مكان يمكن أن يتصل به ذلك التموج والحركة الحادثة في الهواء. فإما إذا كانت

المسافة بعيدة فإنها لا تدركه وتتلاشى تلك الحركة وتنفذ قبل وصولها إليها."

 ويتابع إخوان الصف في مقطع آخر:"واعلم أن كل صوت له نغمة وصفية وهيئة روحانية، خلاف صوت آخر، وإن

الهواء من شرف جوهره ولطافة عنصره يحمل كل صوت بهيئته وصفته، ويخفضها لئلا يختلط بعضها ببعض،

فيفسد هيئتها، إلى أن يبلغها إلى أقصى مدى غاياتها عند القوة السامعة، لتؤديها إلى القوة المتخيلة التي مسكنها متقدم

الدماغ..."

 

أما الشيخ الرئيس ابن سينا (النصف الأول من القرن الحادي عشر ميلادي) فقد تطرق إلى طريقة حدوث الصوت

في كتابه« الشفاء» حيث  أوضح  بان الصوت ينتج عن اهتزاز الهواء عند ضرب جسم بجسم آخر  وهذا ما اسماه

بالقرع أوعند انتزاع جسم من جسم آخر وهذا  ما اسماه القلع . ففي كلتا الحالتين ينتج الصوت عن اهتزاز الهواء .

كما أوضح انه في حالة القرع ينضغط الهواء فيطرد في كل الاتجاهات، وفي حالة القلع يحدث فراغ في مكان الجسم

المنتزع فيأتي الهواء بسرعة ليحل محله.