مقدمة كتاب ميزان الحكمة - للخازني


مقدمة كتاب ميزان الحكمة للخازني
 

ما دعانا ننقل هذه المقدمة للقارئ الكريم يعود إلى ما تتضمنه من عمق في التفكير وفن في التعبير بلغة تحمل في

طياتها أجمل المعاني وتعبر بفخامتها عن كل الأماني. في هذه المقدمة استطاع الخازني ان يعبر عن أفكاره ويشرح

موضوع كتابه بطريقة مشوقة تجعل القارئ يتوق  إلى كشف اسراره والاطلاع على محتوياته. 

يقول الخازني في مقدمته

بسم الله الرحمن الرحيم                    

              وبه الاستعانة والتوفيق                      

 

  الحمد لله الذي لا اله الا هو الحكيم العدل الحكم الحق والصلاة على جميع انبيائه ورسله الذين بعثهم إلى عباده

للعدل - وخصص نبينا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم بالشريعة السمحة العدل .

وبعد فإن العدل نظام الفضائل جملة ومجال الخيرات أجمع لأن الفضيلة التامة هي الحكمة وهي في شقى العلم

والعمل وشطري الدين والدنيا علم تام وفعل محكم والعدل مجمع بينهما وملتقى كماليهما به تنال قاصية كل مجد

بسببه يجاز قصب السبق في كل خير ولاعتلائه ذروة الكمال عرف الباري تعالى نفسه إلى خلص عباده باسم العدل

وبنوره صار العالم مستوفيا أقسام الكمال والتمام ومستوليا على الآمد الأقصى في النظام وإليه الإشارة بقوله عليه

السلام (بالعدل قامت السماوات والأرض ) ولما اختص العدل بهذه الرتبة العلية والمنزلة السنية أفاض الله عليه

خلع الرضا  والمحبة واحبه إلى قلوب عباده جملة حتى صار مألوف الطباع ومطلوب النفوس وتراها متشوقة إلى

تخزنته بمجهود وسعهم فإن عاقهم عنه عائق او صرفهم إلى ضده صارف هوى يجدون في انفسهم اعترافاً

واقرارا بحقيقته حتى ان الجائر يستحسن عدل غيره ولذلك ما ترى النفوس تتألم عن كل ما كان مركباً ليس على

نظام مستقيم فتكره العرج والعور وتتشائم به. وللوفاء بقضيته ما جعل الله تعالى أعضاء الإنسان الواقعة في

الأطراف زوجين اثنين وفي الأوساط واحداً . ثم أهاب بهم إلى سلوك سبل السعادة باستعمال العدل وملازمة

الاستقامة على ما قال تعالى ( واقسطوا ان الله يحب المقسطين) وقال تعالى( إن الذين قالو ربنا الله ثم استقاموا)

ارادة للخير بهم وإفاضة الرحمة عليهم وجعله حكما بين الخليقة ورضا بينهم الحقيقة حتى لا يعبر أحداً جسرا

النجاة إلا إلا بجواز من الإستقامة في العمل ولا يسكن أحد حريم السعادة إلا بتوقيع من العدل في العلم والعدل في

العلم هو تحقّق المعلوم على وجهه بطريقه مصونا عن وصمة الشك والاشتباه.

والعدل في العمل نوعان(عمل) وهو تهذيب الأخلاق ورعاية المساواة بين قوى النفس والقيام عليها بحسن السياسة

على  ما قيل( اعدل  الناس م انصف عقله من هواه) ومن تتماته بث النصفة بين ذويه وكف أذاه عن غيره حتى

يأمن الناس شره.(ومعاملة) وهي رعاية الانصاف بين نفسه ومعاملته في أداء حقوقهم واستيدائها منهم فالعدل هو

القوام لأمر الدين  والدنيا والركن لسعادة الآخرة والأولى فمن تمسك به أو بشعبة من شعبه فقد استمسك بالعروة

الوثقى لا انفصام لها.   ولغاية رحمة الله تعالى برعاية مصالح عباده وتقويمهم على نهج سداده أراد ان يبقى العدل

بينهم إلى يوم الدين بمائه وبهائه لا يخلق حدتها مرور الأذمنة والأحقاب وعلم أنهم ظالموا أنفسهم باتباعهم مواجب

طباعهم( فالزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها) وحفظ عليهم بشمول رأفته وسعة رحمته نظام الخير بأن بعث

فيهم حكام عدل يحفظون عليهم العدل ولا يفترون وهم ثلاثة بحسب أقسامه

 الأول- كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو القانون الأعظم المرجوع إليه في

الفروع والأصول والمحكوم من بين الفاضل والفضول وتتبعه سنة النبي عليه السلام

 الثاني- الأئمة المهتدون والعلماء الراسخون المنتصبون لحل الشبه ورفع الشكوك الذين هم نواب الرسول وخلفاؤه

في كل عصر وزمان وهم الحماة لحوزة الدين والهداة للخلق إلى سبيل النجاة عند اعتراض الشكوك والشبهات

ومنهم الوالي العدل المشار إليه بقوله عليه السلام (السلطان ظل  الله على الأرض يأوى إليه كل مظلوم).

والحاكم الثالث الميزان - الذي هو لسان العدل وترجمان الآنصاف بين العامة والخاصة والحكم العدل في قضيته

الذي رضى بقضائها الفصل كل بر وفاجر ومنصف ومتعسف القائم باستقامته لفصل خصوماته الحافظ عليهم النظام

والعدل في تصرفاتهم ومعاملاتهم الذي جعل الله تعالى قرينه قرآنه ونظمها في سلك امتنانه فقال تعالى( الله الذي

انزل الكتاب بالعدل والميزان) وجعل المنة في وضع الميزان مقرونة بالمنة في رفع السماء فقال تعالى ( والسماء

رفعها ووضع الميزان لا تطغوا بالميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسرو الميزان)  وقال الله تعالى( وزنوا

بالقسطاس المستقيم ) وهو في الحقيقة نور من أنوار الله تعالى افاض على عباده من كمال عدله ليفصلوا به بين

الحق والباطل والمستقيم والمائل إذ حقيقة النور ما ظهر بنفسه فيبصر ويظهر غيره فيبصر به والميزان هو الدي

يعرف منه استقامته وانحرافه ويعرف منه استقامة غيره وميله ولشدة ظهوره ووكادة أمره ما عظم الله شأنه وفخم

أمره حيث سلك به كتابه والسيف فقال تعالى ( وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وانزلنا الحديد فيه

بأس شديد) فإذا الميزان هو أحد الأركان الثلاثة التي يقوم  بها العدل الذي به قوام العالم وبهذه المناسبة سمي العدل

ميزان الله تعالى بين عباده وبما هو انموذج له نفي الظلم عن حكمه إلى يوم الدين فقال تعالى( ونضع الموازين

القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئأً) فمن أوتي الميزان بالقسط فقد أوتي خيراً كثيرا( وما يذكر أولوا الألباب) .

في هذه المقدمة  دعوة صارخة للعدل الذي نفتقده في ايامنا هذه وتصريح واضح عن إيمان عميق بأن العدل أساس

الملك وهو خير الفضائل والميزان ليس سوى اداة تظهر العدل وتعطي كل ذي حق حقه . لقد استفاض الخازني في

شرح قيمة العدل وأثره على  المجتمع والفرد وتطبيقه هو لخير البشرية جمعاء فالبعدل  ننفي الظلم عن المظلوم.

والعدل هو مفتاح السعادة وجواز عبور جسر النجاة وبتعبير أعمق  ثم  نور الله على الأرض .