آلات قياس الزمن

آلات قياس الزمن

                        

 

في العصور البدائية اعتمد الإنسان على العوامل الطبيعية لتحديد الزمن فلاحظ شروق الشمس وغروبها وأدرك 

مواسم هطول الأمطار وتابع عصف الرياح الموسمية،وشاهد الأشجار بحلتها الخضراء تارة ويابسة الأغصان

طورا . ثم ما لبث ان لاحظ بأن الشمس تشرق من مكان وتغيب في مكان آخر وان القمر يبدأ هلالا ثم يصبح بدرا.

بتكرارتلك العوامل الطبيعية أدرك الإنسان مفهوم الزمن.

إن أول آلة استعان بها الإنسان لمعرفة الوقت كانت ملاحظته لتغيير طول ظل الأشجار والصخور والجبال مع

حركة الشمس الظاهرة من الشرق إلى الغرب. ففي الصباح يكون الظل طويلا ثم يأخذ في التقلص حتى يصبح

صغيرا جدا عندما تعتلي الشمس قبة السماء، ثم يأخذ في الامتداد طولا ولكن للجهة المعاكسة حتى غروب الشمس.

عندها استعمل الإنسان وتدا يدقه في الأرض ويستهدي بظله إلى الوقت (الصباح والظهر والمساء).

وهكذا بدأت عجلة الحياة بالدوران وأدرك الإنسان تقلب الفصول الأربعة ثم حدد الدورة السنوية وبدأ بتقسيم الفصل

إلى أشهر والشهر إلى أيام واليوم إلى أجزاء وابتكر الآلات التي تساعده على قياس تلك الأجزاء فكان اكتشاف

الساعة.

- الساعة الشمسية : تفيد معظم المراجع بأن أول آلة عرفها الإنسان لقياس الوقت كانت الساعة الشمسية فهي عبارة

عن وتد عمودي (ويدعى أيضا الشاخص) يغرس في الأرض ويتحدد الوقت بتحديد طول الظل الساقط للوتد على

الأرض أو على المستوى الأفقي.وقد سميت هذه الآلة بالمزولة لأنها تعتمد على زوال ظل وتدها ليكون وقت

الظهر.ويعتقد أن الشعب الصيني هو أول من استخدم المزولة ثم نقلتها عنه الشعوب الأخرى. لقد وجدت المزولة

لدى قدماء المصريين، وقد ترافق ظهورها مع ظهور المسلة الفرعونية التي يعتقد بأنها استخدمت كمزولة. وقد أخذ

الإغريق المزولة عن المصريين وصنعوا منها أشكالا كثيرة.

لكن سرعان ما أدرك الإنسان إلى انه بحاجة لآلة لضبط الوقت بغياب الشمس فاستنبط الساعة المائية التي مكنته

من قياس الوقت ليلا نهارا ثم تطور علم الساعات وصممت الساعة الميكانيكية ثم الساعة الكترونية وغيرها.

الساعات المائية عند العرب :

اهتم علماء العرب والإسلام بالساعات اهتماما بالغا نظرا للحاجة إليها في تحديد أوقات الصلاة ومواعيد الصيام

وغيرها، فعكفوا على دراسة وتحليل ما ورثوه من العلوم القديمة في هذا المضمار وعملوا على تطوير صناعة

الساعات المائية حتى أصبحت تحفا فنية يعجز عنها الوصف.

لقد ظهرت الساعات المائية الدقاقة في كل أنحاء الدولة الإسلامية وانتشرت صناعتها في العديد من مدنها  من

مشرقها إلى مغربها. وقد ذكر الجاحظ في كتابه "الحيوان" أن حكام المسلمين وعلماءهم كانوا يستعملون في النهار

 الإسطرلاب وفي الليل  البنكامات وهي الساعات المائية الدقاقة.

لقد وصف الغزالي تلك الساعات قائلا: " فيه آلة على شكل اسطوانة تحتوي قدرا معلوما من الماء، وآلة أخرى

مجوفة موضوعة في هذه الاسطوانة فوق الماء، وخيط مشدود أحد طرفيه في هذه الآلة المجوفة وطرفه الأخر في

أسفل ظرف  صغير موضوع فوق الآلة المجوفة، وفيه كرة وتحته طاس بحيث لو سقطت الكرة وقعت في الطاس

وسمع طنينها.  ثم ثقب أسفل الآلة الأسطوانية ثقبا بقدر معلوم ينزل الماء منه قليلا قليلا فإذا انخفض الماء

انخفضت الآلة المجوفة الموضوعة على وجه الماء فامتد الخيط المشدود بها فحرك الظرف الذي فيه الكرة تحريكا

يقربه من الانتكاس إلى أن ينتكس فتتدحرج منه الكرة وتقع في الطاس وتطن  وعند انقضاء كل ساعة تقع واحدة،

وإنما يتقدر الفصل بين الوقعتين بتقدير خروج الماء وانخفاضه وذلك بتقدير سعة الثقب الذي يخرج منه الماء."1

ساعة هارون الرشيد

من أقدم الساعات المائية العربية الصنع تلك التي أهداها هارون الرشيد إلى الملك الفرنسي  شارلمان في عام

807م وكانت مصنوعة من البرونز المطعم بالذهب وكان بمينائها اثنا عشر بابا صغيرا يمثل كل منهما ساعة من

الساعات بحيث ينفتح الباب بعد انقضاء ساعة من الزمن ويصحب ذلك سقوط كرة من النحاس الأصفر على قرص

من النحاس الرقيق فيسمع بذلك الرنين الحاصل من الضربة. وان عدد الكرات يدل على عدد الساعات التي انقضت

من النهار أو الليل2.

ساعة قصر الحمراء - الأندلس

وإن أهم الساعات المائية التي زينت التاريخ العربي الإسلامي ساعة قصر الحمراء وهي الساعة التي شيدت في

الأندلس في عهد الحكم الإسلامي في القرن السابع الهجري.  وتوجد الساعة في بهو الأسود وهي عبارة عن نافورة

مياه تتوسط البهو ويحيط بها اثنا عشرة أسدا من الرخام الأبيض وكانت المياه  تتدفق من أفواه الأسود الواحد تلو

الآخر في فترة ساعة كاملة بحيث يمكن معرفة الساعة من المياه التي تخرج من فم الأسود وذلك بمعرفة عددها.

ساعة مدينة تلمسان - الجزائر 

 جاء وصف هذه الساعة في كتاب " أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض لأحمد المقري3

..."وخزانة المنجانة ذات تماثيل اللجين محكمة الصنعة ، بأعلاها ايكة تحمل طائراً، فرخاه تحت جناحيه ،ويختِله فيهما أرقم، خارج من كوة بجذر الأيكة صُعُدا، وبصدرها أبواب مرتجة بعدد ساعات الليل الزمانية، يعاقب طرفيها بابان كبيران ، وفوق جميعها ودُوَين رأس الخزانة ، قمر أكمل، يسير على خط استواء نظيره في الفلك، ويُسامت أول كل ساعة بابُها المرتَج، فينقض من البابين الكبيرين عقابان في يد كل واحد منهما صَنجة صُفر، يلقيها إلى طست من الصُّفر مجوف، بواسطة ثقب يفضي بها إلى داخل الخزانة فيرن، وينهش الأرقم احد الفَرخين فيصفِر له أبوأه، فهنا يفتح باب الساعة الذاهبة، وتبرز منه جارية محتزَمة كاظرف ما انت راء، بيُمناها إضبارة فيها اسم ساعتها منظوما، ويُسراها موضوعة على فيها، كالمُبايعة بالخلافة لأمير المؤمنين ايده الله ... "   

     4ساعة بو عنانية في مدينة فاس - المغرب

أما المنجانة التي صنعة بهذه الغرفة لمعرفة الأوقات فإن الشيخ المعدل محمد بن عبد الله الصنهاجي النطاع أحدثها هناك، ورسمها له محمد بن الصدينية القرطسوني، وتطوع بعض المسلمين بالإنفاق فيها سنة سبع عشرة وسبعمئة. وذلك أنه جعل في ركن الغرفة عن يسار المستقبل جبحا من خشب الأرز، وجعل في داخله بدنين كبيرين من فخار أحدهما أعلى من الآخر، وجعل الماء في الأعلى منهما، وبأسفله أنبوب من نحاس مموه بالذهب محكم العمل يهبط منه الماء في البدن الأسفل بقدر معلوم، وجعل جوف الجبح مفطساً، ورسم في جانبي التفطيسة بروج الأفلاك والأشهر العجمية والساعات ودقائقها وجعل في الوسط مسطرة رسم فيها أيضاً الساعات ودقائقها وأوقات الليل والنهاروجعل المسطرة معلقة في خارج من الجبح يجري في حفر التفطيسة المذكورة طالعاً وهابطاً، وجعل على وجه الماء الذي يجتمع في البدن الأسفل جسماً مجوفاً من نحاس على هيأة الأترجة معلقاً في الطرف الذي يلي من الغلور، فإذا طلع الجسم بطلوع الماء الذي يجتمع في البدن الأسفل طلع طرف الغلور الخارج من التفطيسة وطلعت بطلوعه المسطرة ، وكلما طلعت بطول الأزمان ظهر فيها الوقت المطلوب، فإذا تم النهار والليلة المقبلة له رُد الماء من البدن الأسفل للبدن الأعلى

وعلق المسطرة كما كانت، ثم غفل عن ذلك إلى أن تقدم للنظر في الأوقات والرعاية للمؤذنين محمد بن محمد بن العربي رحمه الله سنة سبع وأربعين وسبعمئة ، فجدد المنجانة المذكورة على وجه أتقن من الوجه الأول، ولم يزل يجتهد في ذلك صدر ايالة مولانا المتوكل أبي عنان رحمه الله فأكثر الاجتهاد في خدمته، وجعل خارج الجبح المذكور تجاه المستقبل له دائرة وعليها شبكة كشبكة الأسطرلاب ورسومه تدور متى طلعت المسطرة المذكورة ويعرف بها أيضاً أوقات الليل والنهار، واعد هناك مع ذلك رمليات لاختبار الأوقات، وجملة اسطرلابات موقف ذلك على من يستعمله وينظر فيه أجزاء الليل والنهار.

وقد صعد مولانا المتوكل أبو عنان رحمه الله الصومعة ليعتبر في المدينة ترتيبها ، ووقف على المجانة وما تصل بها فاستحسنه وأنعم على الناظر فيه بمرتب وسع عليه فيه ليستعين به على القيام بشعائر الإسلام وذلك في سنة تسع واربعين وسبعمئة.

وقد صنع مولانا المتوكل أبو عنان رحمه الله منجانة بطيقان وطسوس من نحاس مقابلة لباب مدرسته الجديدة التي أحدثها بسوق القصر من فاس وجعل شعار كل ساعة أن تسقط صنجة في طاس وتنفتح طاق، وذلك في أيام آخرها الرابع عشر لجمادى الأولى عام ثمانية وخمسين وسبعمئة على يد مؤقته أحمد التلمساني المعدل. 

1 - محمد بن محمد الغزالي- "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسني" عند شرحه معنى "الحكم "

2- لم تتحدث المصادر التاريخية العربية عن تبادل السفارات والهدايا ما بين هارون الرشيد وشارلمان. والمعروف في هذا الصدد مستمد من المصادر الأوروبية التي يرجع بعضها إلى عصر شارلمان نفسه . أنظر ph.hitti : history of the Arabs   ص 298. وما أشار إليه من مراجع

Schmidt : Karl der Gros und Harun al-Rachid في مجلة der Islam ج 3

ومقال الأستاذ برتولد Barthold   في المجلة نفسها (ج4) 

3-أحمد بن محمد المقري : ازهار الرياض في أخبار القاضي عياض، تحقيق : محمد مصطفى السقا وآخرون - لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة سنة النشر 1358هجري/1939 م مجلد 1 ص 244 - 245 .

4-كتاب جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس –علي الجزنائي – تحقيق عبد الوهاب أبي منصور مؤرخ المملكة المغربية - الطبعة الثانية 1411هجري/1991م المطبعة الملكية الرباط- ص 51-53.

 

من أهم العلماء العرب الذين تركوا لنا ارثا ثميناً في صناعة الساعات المائية :

الخازني ، المرادي ، الجزري .

أما تقي الدين فقد أبدع في وصف الساعات الميكانيكية