تصنيف الموسيقى وتأثيرها في النفس من منظار الكندي
في تصنيفه للعلوم ، يضع الكندي الموسيقى ، ضمن العلم الأوسط، فيوضح بذلك وضع هذا العلم بين علمين، علم ما فوقه وما تحته، ويقسمه إلى أربعة أقسام(1)
علم العدد والمعدودات وهو علم الحساب -
علم التأليف وهو علم الموسيقى -
علم الهندسة -
علم التنجيم -
وبهذا أصبحت الموسيقى عند العرب أحد العلوم الرياضية ، وعنصرا من عناصر الحكمة الرباعية(2)
إن فهم هذه النقطة هو في غاية الأهمية، خشية أن يتبادر إلى الأذهان أن العرب نقلوا الحانهم عن اليونان ، او أن الموسيقى العربية من أصل يوناني أو رومي أو فارسي كما يدّعي بعض الباحثين. فهناك الكثير من الشواهد التي تثبت أن الموسيقى العربية كانت ولا تزال تختلف عن موسيقى تلك الأمم . فالكندي في مواضع كثيرة من رسائله يشير إلى هذا فيقول:"إن لكل قوم في هذه الآلة (أي العود) مذهباً هو ليس لغيرهم...فمذهب الفرس استعمال الخفة بعد وقوفهم على طرقهم المعلومة. إذ هي شبيهة لهم بالأصول... ومذهب الروم أيضاً في الألحان الثمانية الأسطوخية ... وكذلك أيضاً مذهب العرب بالضرب اللائق بغنائهم، كأصولهم الثمانية أعني الثقيل والخفيف والهزج..."
ويسهب الكندي في تأثير الموسيقى في نفوس الكائنات الحية، فيقول:" وكيف أن الفلاسفة صنعوا آلات كثيرة تناسب تأليف الأجساد الحيوانية ، ويظهر منها أصوات مشاكلة للتركيب الأنسي، ليظهروا بذلك مقدار شرف الحكمة وفضلها". ثم يذكر أمثلة لذلك ، فالدلفين والتمساح إذا سمعت الزمر وصوت البوق فإنها تطرب وتخرج إلى الماء. والخيول والغزلان تلّذها أصوات الأوتار، والطواويس عندما تسمع الألحان تنشر أجنحتها وتختال علامة الفرح، والطيور عامة تعجبها الأصوات الحنونة ، فتقف مصغية.
أما تأثيرها في الإنسان فواضح أكثر، فهناك الألحان المفرحة والمحزنة، ومنها ما يبعث في النفس الشجاعة والإقدام، ومنها ما يبعث الهدؤ والنوم.هذا وإن الكندي يصنف الألحان حسب تأثيرها في النفس إلى ثلاثة أصناف:
اللهوي والطربي والتلذّذي والتنعّمي وهي الألحان المطلوبة -
للجرأة والنجدة واليأس والإقدام ، وهي الألحان الجريئة -
للبكاء والحزن والنوح والرقاد وهي الألحان الشجية -
ثم يتناول الإيقاعات أيضاً ويصنفها إلى أصناف مبيناً ما يلائم كل لحن من الألحان الآنفة الذكر منها، ومتى يحسن تقديم هذه الألحان، إذ إن لكل ظرف ما يلائمه. فللطفولة ألحانها، وللشباب والشيخوخة كذلك ،والألحان الملائمة للصيف وللشتاء، والحان الصباح والمساء ، والليل والنهار ، وغير ذلك على نحو ما نقرأه باسهاب في مواضع كثيرة من رسائله.
التأثير الطبي للموسيقى عند الكندي
يتناول الكندي الألحان من الناحية الطبية أيضاً فيبين أن الألحان تؤثر في الجسم فتساعد على الهضم. ثم يتناول النغمات والأوتار والإيقاعات ويذكر ما يفيد منها لأعضاء الجسم فيقول:" نغمات الزير مناسبة لإيقاع الماخوري ، وهما مقويان للمرار الأصفر، محركان له، مسكنان للبلغم مطفئان له". ونغمات المثنى مناسبة للثقيل الأول والثاني ، وهي مقوية للدم ، محركة له مسكنة للسوداء، مطفية لها...". ويفعل ذلك مع نغمات المثلث والبم أيضاً. وهكذا يجعل الكندي من النغمات والنقرات وصفات طبية لأعضاء الجسم.
السلم الموسيقي للكندي
يعتبر الكندي أول من دوَّن الموسيقى بالأحرف الأبجدية . يشهد على ذلك السلم الموسيقي الذي دوَّنه في مخطوطته الموسيقية وذلك نسبة لأوتار العود كما نلاحظ ذلك في الجدول رقم -1- ادناه

الجدول رقم - 1 - الجدول رقم - 2 -
وكذلك وجدت مخطوطة للكندي سجل فيها لحناً مدوناً يضعه كتمرين ودرس أول للتلميذ الذي يتعلم الضرب على العود. وهذا اللحن يعتبر أقدم وثيقة موسيقية للحن مدوَّن ، لا عند العرب فقط بل في تاريخ العود الذي عُرف منذالألف الثاني قبل الميلاد. وقد حلل هذا اللحن ووضع نغماته في إطار إيقاعي حسب السلم الحديث وعلَّق عليه الأستاذ زكريا يوسف حيث قال:"نلاحظ من هذا التمرين أن الكندي يبدأ منذ الدرس الأول من تعويد التلميذ على ضرب نغمتين في وقت واحد كي يدرب أذنه على تفهم الإتفاقات وتعويد أصابع يده على وضعها في الأماكن الصحيحية على الأوتار لتخرج النغم من الوتر المزموم بالإصبع متفقة مع النغمة الثانية في الوتر المطلق أحياناً. وهذا أحدث ما يُتَّبع في تدريس الضرب على الآلات الموسيقية.. - الجدول رقم -2- يمثل اللحن الذي وضعه الكندي مجسداً بالعلامات الموسيقية الحديثة.